الخزباري

الإثنين,أكتوبر 06, 2008


  محمد محقوظ ين المختار في 10/03/2007 - 01:18 مساءاً

ثقافة الفساد في مجتمعنا.. بين الظاهرة والسلوك
 عرف مجتمعنا ببدويته الظاهرة والقريبة العهد، وبما أننا لا زلنا قريبي العهد بالبداوة فإن العقلية الاستهلاكية التي كانت سائدة لا زالت تراوح مكانها، ولعل الخروج من هذه الظرفية السلوكية يفرض علينا تغييرا يعم جميع مناحي الحياة.
هذا التغيير الذي تجسد على أرض الواقع مع دخولنا إلى المدينة أصبح باب فساد يصعب سده لأنه جعل المجتمع يعيش حالة هستيرية يدخل من خلالها في قالب جديد يحاول من خلاله أن ينسى البادية وكل متعلقاتها؛ بحيث ينسلخ منها وإلى الأبد، إلا أن محاولة الانسلاخ لم تكتمل بصورة سلسة، أو لنقل شابتها بعض المفاهيم الخاطئة مما جعل الفساد يتسرب إلى هذا المجتمع وينخر جسمه بسرعة سواء كان على المستوى لأخلاقي أو الإداري أو المالي.
ولكي تكتمل الصورة فإنه يجدر بنا أن نسلط الضوء على هذه الظواهر بصورة أحادية حتى نستقصي الواقع بدون مزايدات.

الفساد الأخلاقي

من المعروف أن لكل مجتمع من المجتمعات ثقافة تخصه وعادات وتقاليد يسير في فلكها وهذه العادات والتقاليد هي التي تشكل في مجملها أخلاقيات أي مجتمع كان.

وبما أن أي خروج على هذه التقاليد يعتبر تقريرا يقوم في اتجاهه فإن كان إيجابيا ينوه به ويعلى من شأن من قاموا به وإن كان سلبيا شهر به وبالفاعلين حتى يكونوا عبرة لغيرهم.
وبما أن مجتمعا كان محافظا حتى الأمس القريب ولا يوجد أي نوع من السلبيات داخل هذا المجتمع وتعبر عن الموبقات التي لا يمكن السكوت عليها لأن السكوت يعتبر إشارة استحسان من هذا المجتمع.
فالظواهر السلبية الدخيلة على المجتمع أكثر من أن تحصى، لكن لا بأس إذا ذكرنا بعضها من قبيل الاستدلال وأول ما سأذكره قضية مطعم الصين الذي كان وكرا من أوكار بيع الجسد في مقاطعة تفرغ زينه والذي كشفت عنه مواقع إلكترونية في الشهور الأخيرة من العام الماضي والذي قالت أنه يشكل أكبر المواقع لبيع الأجساد في مجتمعنا تحت أعين السلطات التي لم تحرك ساكنا من أجل المحافظة على هذا المجتمع.
سلوك مشين يحب أن لا يسكت عليه وأن يشهر بأصحابه، وإن كان التشهير وحده لا يكفي مع أن السلطات تعاملت مع الموقف من قبيل "ليس بالإمكان أفضل مما كان" ثم تلته قضية شارع العشاق الذي تواترت الأنباء حوله ونشرت الصحف أنه مركز للخمور والحليب والشاي والجلسات الشبابية وما خفي أعظم.
كل ذلك يجري في مجتمع يعتبر مركز النخبة من المثقفين والمفكرين والعلماء الذي تبين لاحقا أن عدمهم أفضل ما داموا لم يحركوا ساكنا، والمجتمع يتهاوى أمامهم إلى هاوية سحيقة.
يحق لنا أن لا نبتعد كثيرا ولا نكتفي بحكايات بل ننزل إلى الشارع لنرى مشاهدات فليس من رأى كمن سمعا.
عند نزول أي أحد إلى الشارع يتبادر إلى ذهنه أنه عرف المجتمع الموريتاني المحافظ قد انقرض، وأن صورة البنية المحافظة على عرضها وشرفها قد أصبحت جزءا من الماضي السحيق - إلا من رحم ربك – من البنات اللائي غالبا ما يوصفن بأنهن متخلفات يجسدن العصور الماضية، وأنهن بنات لا يصلحن لزماننا، فزماننا لا تصلح له إلا من تحررت من كل القيود الاجتماعية والأخلاقية وأصبحت تدس خنجرها المسموم في جسم هذا المجتمع بكلمات مخلة بالحياء، فالصور المخلة أصبحت الشغل الشاغل في عصر الفيديو كليب (في الهاتف المحمول) وأصبحت تتداول صور العري للفنانات وكأنها بذلك تجسد الواقع المأساوي المعيش.
هذا بعض ما يحدث نهارا جهارا أما ما يحدث في شوارعنا ليلا فحدث ولا حرج.
صكوكي، شارع العشاق، تنويش، المشروع، كل هذه الأسماء عناوين لأنباء تعرضت لها الصحف طبعا سنسوق أمثلة منها واستشهادات لعلها تكون بلسما لجراح في جسم مجتمع لا أظنها تندمل قريبا.
صحيفة الحوادث نشرت في عددا 13 الصادر بتاريخ: 26/11/2007 نبأ تعرض فتاة للاغتصاب من طرف عصابة يقودها دركي – اللهم استرنا بسترك الجميل -.
أما صحيفة الحرية فقد كتبت في عددها 65 بتاريخ: 20/12/2007 تحت عنوان "صكوكي رقص ومجون" فتناولت ما يحدث في هذا الطريق مما لا أستطيع معالجته إلا أنني أحيلكم إلى المصدر لتعلموا ما يحدث هنالك من رذائل ومجون – أكرمكم الله – وهذا غيض من فيض.
بعد كل هذا يجدر بنا أن نتساءل: "أين الأشراف في ما تبقى من المجتمع" قطعا سيتحركون ويبقى لي التساؤل: {متى هو قل عسى أن يكون قريبا}.

الفساد المالي:

عند ولوجنا إلى هذا الباب يجدر بنا أن نكون حريصين على الموضوعية و الحياد مبتعدين عن العواطف فالفساد المالي ينخر جسم هذا الوطن منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن ولعل للعقلية الاستهلاكية التي أشرنا إليها في البداية دور مهم في انتشار هذه الظاهرة وتغذية جذورها بل والعمل على الاستمرارية التي تطبعها.

كلنا يعلم أن الإتكالية سلوك متبع وشائع عي مجتمعنا وهذا السلوك يفرض نوعا من التجاوزات التي المبررة عند من قاموا بها حتى يوفروا لأنفسهم ولأهلبهم أبسط مقومات البقاء .تبرير قد يتخذه البعض ذريعة للإستلاء على بعض الأشياء التي قد يعتبرها تافهة في ذالك الوقت لكن هذه الأشياء الصغيرة تقود إلى تلك الأشياء الكبيرة.
وينظر الآخرون إلى هذا الشخص ويتخذونه قدوة وهكذا تضيع أموالها الدولة ومواردها المالية بيد قلة اتخذوها هزؤا ولعبا.. أصبحت موارد الدولة بين أيديهم فظنوا أنها هدية قدمت لهم على مناصب ائتمنوا عليها. وأساءوا فهم المهمة الموكلة إليهم فظنوا أنها أموال لهم يتصرفون فيها كيف شاءوا، بعضهم يعطي وبعضهم يهب وبعضهم اتخذها وسيلة للترفيه عن نفسه فأصبحت رسالة السياحة والعطلات الصيفية من أهم السبل التي تضيع فيها أموال المجتمع. المؤتمن على الوطن يبدو أنه أول من يخون الأمانة سواء عن دراية أو عن غير دراية، أظن أنه لا يقدر الأمانة أو لا يعلم قدرها من الأساس لأنه لو علم أن لكل فرد في كل شبر من هذه الأرض حقوقا فيما يتصرف فيه لكان اختصر على حق نفسه ومحيطة أو اقتصر في أكل حقوق الآخرين على الأقل.
ويبقى الفساد المالي مظهرا من مظاهر ثقافة الفساد التي تطبع المجتمع ويبدو أن جهود الدولة للقضاء على هذا المشكل باءت بالفشل حتى الآن.
يبقى لنا أن نتساءل هل هي ظاهرة أم مجرد سلوك فردي؟ سؤال ننتظر إجابته ويبدو أننا سننتظر طويلا.

الفساد الإداري:

من أهم مظاهر الفساد الإرادي التي تسود الإدارة هذه الأيام هي ظاهرة الرشوة – رغم أن السيد الرئيس كان قد أشرف على أيام وطنية لمكافحة الرشوة – إلا أنها بقيت تعشش داخل المؤسسات الإدارية والمستشفيات الوطنية والمراكز التعليمية فهي قضية سلوك مهني شائع يحدث جهارا نهارا دون الخوف من رقيب ولا حسيب وما دام هذا الرقيب هو المعلم الأول فإن المثل الحساني يقول: "ألا لشاف الصغير عند لكبير".

إذن فالرشوة شائعة وإذا كانت الإدارة قد تحركت لمكافحتها فإن ذلك يحسب لها مع أن التحرك جاء متأخرا ويبدو أنه عقيم حتى الآن في ظل استمرار هذه المسلكية داخل الإدارة وعلى مرأى ومسمع من الجميع.
أما المحسوبية فهي سلوك المدير ومن فوقه ومن تحته في السلم الإداري والكل يسير في نفس الطريق، مع العلم أننا في بداية عصر الدولة الديمقراطية فإننا نستبشر خيرا في هذه الديمقراطية ونرجو أن تكون فاتحة خير على الشعب لا فاتحة نوع جديد من الفساد ينخر في جسم دولتنا المتحضرة أو المحتضرة.
أرجو أن يكون الساسة على قدر المسؤولية الموكلة إليهم وأن شعبهم وصل إلى مرحلة ما قبل القبور.
وعلى العموم فإن ثقافة الفساد تبقى منتشرة داخل المجتمع انتشار النار في الهشيم ويبقى دور أرباب الفكر والثقافة في المجتمع بالتوعية في أخطار هذه الثقافة دورا محوريا حتى لا يبقى المجتمع الحلقة الأضعف ممن يسومونه سوء العذاب بأفكار مسمومة ووعود واهية بتحسين الأوضاع لأن أي تأخر يحسب على المجتمع وليس له.
في مجتمعنا أباطرة لا يأملون في أن تتغير العقلية لأنهم يعلمون علم اليقين أن أي تغيير للعقليات وأي فكرة تقدم المجتمع خطوة إلى الأمام يعتبرونها مسمارا يدق في نعشهم، عليهم أن يتصالحوا مع ذواتهم ومجتمعهم وأن يعلموا أن المجتمع أصل وأنهم فرع من فروعه ولا بقاء لفرع ذهب أصله.
ويعود التساؤل ليطرح نفسه: هل ظاهرة الفساد في مجتمعنا ظاهرة منتشرة أم سلوك فردي شاذ؟ سؤال الإجابة عنه يترتب عليها مستقبل الأجيال.
لا بأس فكفانا جلدا للذات فلنأمل خيرا ولنستبشر بالمستقبل فهو الوحيد الكفيل بالإجابة على كل الأسئلة.